أحمد بن محمد المقري التلمساني
83
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
السلطان ومثل بين يديه ، تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شعر قدمه بين يدي نجواه ، فأذن له ، وأنشد وهو قائم : [ المنسرح ] خليفة اللّه ساعد القدر * علاك ما لاح في الدّجى قمر « 1 » ودافعت عنك كفّ قدرته * ما ليس يسطيع دفعه البشر وجهك في النائبات بدر دجى * لنا وفي المحل كفّك المطر والناس طرا بأرض أندلس * لو لاك ما أوطنوا ولا عمروا وجملة الأمر أنه وطن * في غير علياك ما له وطر ومن به مذ وصلت حبلهم * ما جحدوا نعمة ولا كفروا وقد أهمّتهم بأنفسهم * فوجّهوني إليك وانتظروا فاهتزّ السلطان لهذه الأبيات ، وأذن له في الجلوس ، وقال له قبل أن يجلس : ما ترجع إليهم إلّا بجميع طلباتهم ، ثم أثقل كاهلهم بالإحسان ، وردّهم بجميع ما طلبوه . وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف ، وكان معه في ذلك الوفد : لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلّم على السلطان إلّا هذا . ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين . ثم ثار بهم محمد الرئيس ابن عمّ السلطان ، شركه في جدّه الرئيس أبي سعيد ، وتحيّن خروج السلطان إلى منتزهه خارج الحمراء ، وتسوّر دار الملك المعروفة بالحمراء ، وكبس رضوان في بيته فقتله . ونصب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقته ، وكان معتقلا بالحمراء ، فأخرجه ، وبايع له ، وقام بأمره مستبدّا عليه . وأحسّ السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان ، فركب ناجيا إلى وادي آش ، وضبطها ، وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب . وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس . واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيّق عليه في محبسه . وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودّة استحكمت أيام مقامه بالأندلس . وكان غالبا على هوى السلطان أبي سالم ، فزيّن له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبونا على أهل الأندلس ، ويكف به عادية القرابة الموشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب ، فقبل ذلك منه . وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي آش إليه ، وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التّلمساني ، وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب . وحلّ معتقله ، فأطلق ، وصحب
--> ( 1 ) « ما » هنا حينية بمعنى « مدة » .